عبد القاهر الجرجاني
244
دلائل الإعجاز في علم المعاني
وهو إخراجه عن موضع النّفي والإنكار ، إلى موضع الثّبوت والاستقرار ، جلّ اللّه وتعالى عن شبه المخلوقين ، وعن جميع ما يقول الظالمون ، علوّا كبيرا . فإن قيل : إنّ هذه قراءة معروفة ، والقول بجواز الوصفية في " الابن " كذلك معروف ومدوّن في الكتب ، وذلك يقتضي أن يكونوا قد عرفوا في الآية تأويلا يدخل به " الابن " في الإنكار مع تقدير الوصفية فيه . قيل : إن القراءة كما ذكرت معروفة ، والقول بجواز أن يكون " الابن " صفة مثبت مسطور في الكتب كما قلت ، ولكنّ الأصل الذي قدمناه من أن الإنكار إذا لحق لحق الخبر دون الصفة ليس بالشيء الذي يعترض فيه شكّ أو تتسلّط عليه شبهة . فليس يتّجه أن يكون " الابن " صفة ثمّ يلحقه الإنكار مع ذلك ، إلّا على تأويل غامض ، وهو أن يقال : إن الغرض الدّلالة على أن اليهود قد كان بلغ من جهلهم ورسوخهم في هذا الشّرك ، أنهم كانوا يذكرون " عزيرا " هذا الذكر ، كما تقول في قوم تريد أن تصفهم بأنهم قد استهلكوا في أمر صاحبهم وغلوا في تعظيمه : " إنّي أراهم قد اعتقدوا أمرا عظيما ، فهم يقولون أبدا : زيد الأمير " ، تريد أنه كذلك يكون ذكرهم إذا ذكروه ، إلّا أنه إنما يستقيم هذا التأويل فيه ، إذا أنت لم تقدّر له خبرا معيّنا ، ولكن تريد أنّهم كانوا لا يخبرون عنه بخبر إلا كان ذكرهم له هكذا . وممّا هو من هذا الذي نحن فيه قوله تعالى : وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ [ النساء : 171 ] . وذلك أنّهم قد ذهبوا في رفع " ثلاثة " إلى أنها خبر مبتدأ محذوف ، وقالوا : إن التقدير : " ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة " . وليس ذلك بمستقيم . وذلك أنا إذا قلنا : " ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة " ، كان ذلك ، والعياذ باللّه ، شبه الإثبات أنّ هاهنا آلهة ، من حيث أنك إذا نفيت ، فإنما تنفي المعنى المستفاد من الخبر عن المبتدأ ، ولا تنفي معنى المبتدأ ، فإذا قلت : " ما زيد منطلقا " ، كنت نفيت الانطلاق الذي هو معنى الخبر عن زيد ، ولم تنف معنى زيد ولم توجب عدمه . وإذا كان ذلك كذلك ، فإذا قلنا : " ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة " ، كنا قد نفينا أن تكون عدّة الآلهة ثلاثة ، ولم ننف أن تكون آلهة ، جلّ اللّه تعالى عن الشّريك والنّظير كما أنك إذا قلت : " ليس أمراؤنا ثلاثة " ، كنت قد نفيت أن تكون عدّة الأمراء ثلاثة ، ولم تنف أن يكون لكم أمراء . هذا ما لا شبهة فيه . وإذا أدّى هذا التقدير إلى هذا الفساد ، وجب أن يعدل عنه إلى غيره . والوجه ، واللّه أعلم ، أن تكون " ثلاثة " صفة مبتدأ لا خبر مبتدأ ، ويكون